المقداد السيوري

559

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

وما ذكرناه من كفاية العلم الحاصل من التقليد لا ينافي الآية المباركة . إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ « 1 » فإنّ المراد منها هو ذمّ اتّخاذهم دين آبائهم وأجدادهم بمحض التعصّب لهم ، وسلوك طريقتهم تعصبا وتقليدا لهم من غير أن يحصل لهم العلم والمعرفة ، ومن المعلوم أنّ سلوك هذه الطريقة مذموم شرعا وعقلا . والظاهر أنّ من قال من علمائنا ( ره ) : إنّه لا يجوز التقليد في أصول الدين ، وهو المشهور المدّعى عليه الإجماع من العلّامة والشهيد ( ره ) ، مرادهم من ذلك هو هذا المعنى ، أعني التقليد الذي اشتهر في الألسن وقرع الأسماع ، وهو الأخذ بقول الغير والالتزام به من غير حصول العلم للمقلّد ، ولا ريب أنّ هذا التقليد لا يكفي في أصول الدين ، والتعبير بالتقليد عن العلم الحاصل من التقليد إن لم يكن غلطا فلا شكّ أنّه مسامحة في التعبير وخلاف ظاهر اللفظ ، ومن أخذ أصول دينه بهذا النحو من التقليد المصطلح في الفروع الدينيّة فليس فيه حقيقة الإيمان الذي هو من صفات القلب ، وهذا المطلب بديهي فضلا أن يكون إجماعيا . نعم من أخذ أصول الدين بهذا النحو من التقليد وهو متديّن في الظاهر مع عدم الجحود والإنكار ، فهل تترتّب عليه الأحكام الظاهرية الموجودة في الشريعة المقدّسة الإسلامية أولا ؟ فهو مقام آخر ، وإن كان الأقوى في هذا المقام هو ترتّب أحكام الإسلام على هذا المسلم : من حقن الدماء وحرمة الأموال والطهارة وجواز المناكحة وحلّ الذبيحة ونحوها ، ولا سيما في بدء الإسلام لحكمة تكثير سواد المسلمين وطلب ازدياد شوكة الدين حيث يكتفي بمجرد الانقياد والتسليم ، وهذه الحكمة موجودة في كلّ زمان ، نعم كانت أهمّ في بدء الإسلام قال تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ « 2 » ولمّا لم يكن في أمثالهم حقيقة الإيمان فيعامل معهم في الآخرة معاملة الكفر ، وهم في زمرة المخلّدين في النار

--> ( 1 ) الزخرف 43 : 23 . ( 2 ) الحجرات 49 : 14 .